الدكتورمحمودعبدالدايم الجندي يكتب: كيف يكون الخطاب الديني الوسطي مؤثرا في ترسيخ القيم داخل المجتمع؟
السبت 24-10-2026 14:59
يعد الخطاب الديني من أهم الأدوات التي تسهم في تشكيل وعي المجتمع وتوجيه سلوكه وبناء منظومته الأخلاقية، فهو ليس مجرد كلمات تلقى على المنابر أو مواعظ يسمعها الناس، وإنما رسالة تهدف إلى بناء الإنسان، وتهذيب النفس، وترسيخ القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره. ومن هنا تبرز أهمية الخطاب الديني الوسطي باعتباره خطابا يجمع بين أصالة النصوص الشرعية وفهم الواقع، ويوازن بين الثوابت الدينية ومتغيرات الحياة، ويقدم الإسلام باعتباره دين الرحمة والعدل والتسامح والإصلاح.
•أولا: مفهوم الخطاب الديني الوسطي
يقوم الخطاب الديني الوسطي على فهم صحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية، بعيدا عن الغلو والتشدد من جهة، والتفريط والتساهل في الثوابت من جهة أخرى. وهو خطاب يستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ويراعي أحوال الناس وظروفهم، ويخاطب العقول والقلوب بلغة تجمع بين الحكمة والموعظة الحسنة.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المنهج في قوله تعالى: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا” (البقرة: 143)، فالوسطية تعني العدل والخيرية والتوازن، وتقتضي الابتعاد عن التطرف في الفكر والسلوك، والالتزام بمنهج يقوم على الاعتدال والرحمة وتحمل المسؤولية.
•ثانيا: دور الخطاب الديني الوسطي في ترسيخ القيم الأخلاقية
تبدأ نهضة المجتمعات من ترسيخ القيم في نفوس أفرادها، فالقوانين وحدها لا تكفي لبناء مجتمع متماسك ما لم يصاحبها ضمير حي وأخلاق راسخة. ويأتي الخطاب الديني الوسطي ليؤكد قيمة الصدق والأمانة والإخلاص والوفاء واحترام حقوق الآخرين.
فحين يربط الخطاب الديني بين العبادة وحسن المعاملة، يدرك الإنسان أن التدين الحقيقي لا يقتصر على أداء الشعائر، بل يظهر أثره في سلوكه اليومي، وفي معاملته لأسرته وجيرانه وزملائه، وفي أمانته في العمل وحرصه على مصالح الناس.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”، وهو حديث يبرز المكانة العظيمة للأخلاق في الرسالة النبوية، ويؤكد أن إصلاح السلوك من أهم مقاصد الخطاب الديني.
ثالثا: تعزيز قيم التسامح والتعايش ونبذ الكراهية
من أهم آثار الخطاب الديني الوسطي أنه يسهم في بناء ثقافة التسامح والتعايش، ويحد من التعصب والكراهية والتمييز، ويؤكد أن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو عداء.
وقد وضع القرآن الكريم أساسا واضحا للتعامل مع الآخرين في قوله تعالى: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصلت: 34).
ومن ثم، فإن الخطاب الديني المؤثر هو الذي يعلم الناس أدب الاختلاف، ويحفظ كرامة الإنسان، ويدعو إلى الحوار البناء، ويغرس في النفوس أن قوة الإنسان ليست في قدرته على الإساءة إلى الآخرين، وإنما في قدرته على ضبط نفسه والعفو عمن أساء إليه متى كان العفو محققا للإصلاح.
•رابعا: مواجهة التطرف والانحراف الفكري
يسهم الخطاب الديني الوسطي في حماية المجتمع من الأفكار المتطرفة من خلال تصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان الأحكام الشرعية في ضوء أدلتها ومقاصدها، والتمييز بين التدين الصحيح والتشدد الذي يسيء إلى الدين وصورته.
ولا تتحقق مواجهة التطرف بمجرد التحذير منه، بل تحتاج إلى خطاب علمي رصين، يجمع بين الدليل الشرعي والفهم الواعي للواقع، ويجيب عن تساؤلات الشباب، ويمنحهم القدرة على التفكير السليم، ويحميهم من استغلال الدين لتحقيق أهداف منحرفة.
كما ينبغي أن يقوم هذا الخطاب على الحوار والإقناع، لا على التخويف وحده، وأن يقدم للشباب نماذج عملية في الرحمة والعدل والمسؤولية والانتماء الوطني، حتى تصبح الوسطية منهجا للحياة وليست مجرد شعار يرفع في المناسبات.
•خامسا: دور الخطاب الديني في تعزيز الانتماء الوطني
والمسؤولية المجتمعية
لا ينفصل الخطاب الديني الوسطي عن قضايا المجتمع ومشكلاته، بل يسهم في بناء مواطن صالح يدرك حقوقه وواجباته، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويحترم القانون، ويتقن عمله، ويشارك في خدمة وطنه.
فحب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما يظهر في المحافظة على أمنه واستقراره، وصيانة موارده، واحترام مؤسساته، ومقاومة الفساد، ونشر ثقافة العمل والإنتاج والتكافل الاجتماعي.
ومن هنا، فإن الخطاب الديني الذي يربط الإيمان بالعمل، والعبادة بالمسؤولية، والتقوى بإتقان الواجب، يسهم في تحويل القيم الدينية إلى سلوك عملي يعود بالنفع على الفرد والمجتمع.
•سادسا: خصائص الخطاب الديني المؤثر في المجتمع
لكي يحقق الخطاب الديني الوسطي أثره المنشود، ينبغي أن تتوافر فيه مجموعة من الخصائص، من أهمها:
•سلامة المرجعية العلمية، بالاستناد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة والفهم المنضبط للنصوص الشرعية.
•وضوح الرسالة، بحيث تصل المعاني إلى مختلف فئات المجتمع بلغة سهلة ومقنعة.
•الارتباط بالواقع، من خلال معالجة مشكلات الأسرة والشباب والعمل والعلاقات الإنسانية.
•الجمع بين العلم والأخلاق، فلا يكتفي بتقديم المعلومات، بل يسعى إلى تغيير السلوك وبناء الضمير.
•القدوة العملية، إذ إن التزام الداعية بما يدعو إليه من أهم عوامل التأثير في الناس.
•استخدام وسائل التواصل الحديثة، لتقديم خطاب ديني رصين قادر على الوصول إلى الشباب ومواجهة المعلومات المضللة.
•مراعاة التنوع في أساليب الدعوة، بحيث تختلف طريقة العرض باختلاف الجمهور، مع ثبات الأصول والمبادئ.
•سابعا: آليات تحويل الخطاب الديني إلى أثر واقعي
إن نجاح الخطاب الديني لا يقاس بكثرة ما يلقى من كلمات، وإنما بما يتركه من أثر في سلوك الناس وعلاقاتهم. ولذلك ينبغي تطوير أساليب الخطاب الديني، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية، وإعداد الدعاة إعدادا علميا وتربويا يمكنهم من فهم احتياجات المجتمع.
كما ينبغي الاهتمام بالأنشطة المجتمعية التي تترجم القيم إلى ممارسات واقعية، مثل مبادرات بر الوالدين، ورعاية كبار السن، ومساعدة المحتاجين، ونشر ثقافة احترام الآخر، ومواجهة التنمر والعنف الأسري، وتعزيز الأمانة والانضباط في العمل.
ومن المهم كذلك تقييم أثر البرامج الدينية من خلال متابعة التغير في الوعي والسلوك، والاستماع إلى احتياجات الجمهور، وتطوير المحتوى بناء على نتائج واقعية، حتى لا يظل الخطاب الديني محصورا في التوجيه النظري دون أثر ملموس.
•خاتمة
إن الخطاب الديني الوسطي يمثل ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك تسوده الأخلاق وتحكمه قيم العدل والرحمة والتسامح والمسؤولية. وتزداد فاعليته حين يتحول من مجرد خطاب مسموع إلى ثقافة مجتمعية وسلوك يومي يلمسه الناس في تعاملاتهم.
فالمجتمع لا يتغير بكثرة المواعظ وحدها، وإنما حين تتحول الموعظة إلى قيمة، والقيمة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة عامة تحكم العلاقات الإنسانية. ومن هنا تبرز مسؤولية العلماء والدعاة والمؤسسات الدينية في تقديم خطاب يجمع بين أصالة الدين ووعي الواقع، ويعيد للقيم مكانتها في حياة الناس، ويسهم في بناء الإنسان الصالح والمجتمع الآمن والوطن القوي.
وبذلك يصبح الخطاب الديني الوسطي قوة بناء وإصلاح، وجسرا يصل بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والأخلاق، وبين صلاح الفرد واستقرار المجتمع.
دكتور/ محمود عبد الدايم الجندى


