الرئيسية آخرالاخبار أحداث عالمية أخبار العالم أخبار عاجلة أخبار عالمية أخبار عربية الرئيسية الصحافة العالمية
سعادة الأستاذ الدكتور/أحمد الشرقاوي رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يكتب: مِنْ نُورِ الأَزْهَرِ: تَعْلِيمٌ رَاسِخُ الهُوِيَّةِ، رَفِيعُ الجَوْدَةِ، يَصْنَعُ الإِنْسَانَ وَيَرْفَعُ رَايَةَ الوَطَنِ
السبت 12-09-2026 04:10
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي رفع العلم وأهله، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمد، معلِّم البشرية، وقدوتنا في العلم والخُلُق والعمل، وعلى آله وصحبه أجمعين
أبنائي الطلاب، وبناتي الطالبات، زملائي المعلِّمين والمعلِّمات، أولياء الأمور الكرام، ويا شيوخ المعاهد، ويا جميع العاملين بالمناطق والمعاهد الأزهرية:
مع إشراقة عام دراسي جديد، نفتح صفحة جديدة من صفحات العلم والعطاء، ونجدِّد العهد على أن نجعله عامًا للجدِّ لا للفتور، وللعمل لا للتمنِّي، وللتميُّز لا لمجرَّد النجاح؛ عامًا نبني فيه أبناءنا بالعلم، ونحصِّنهم بالقرآن، ونزيِّنهم بالحِلْم والأخلاق، ونغرس فيهم الاعتزاز بأنفسهم، والوفاء لوطنهم، والانتماء إلى بلدهم، والتمسُّك بأصالة لغتهم، وجميل الغَيْرة على أزهرهم.
إن الأزهر الشريف منارة علم وهداية، وميراث أمَّة، ورسالة تصنع الإنسان على هَدْي من الدِّين، ونور من العقل، وخُلُق قويم.
وفي تعليمه تلتقي أصالة التراث بعلوم العصر، وتتآخى العلوم الشرعية والعربية مع العلوم الثقافية والفنون الحديثة؛ فلا الأصالة تحجب أبناءنا عن المستقبل، ولا المعاصرة تنال من جذورهم.
وغايتنا تعليم أزهري راسخ الهوية، رفيع الجودة، لا يكتفي بتكديس المعلومات في الأذهان، بل يصنع عقلًا يفهم وينقد ويبدع، ونفسًا تؤمن بالقيم وتلتزم بها، ويدًا تُحسن العمل وتتقنه فجودة التعليم عندنا إنما هي إحكام المعرفة، وعمق الفهم، وتمكُّن المعلِّم، وإيقاظ الموهبة لدى المتعلِّمين، وانتقال بأثر العلم من دائرة النظر إلى حيِّز التطبيق والعمل؛ جودة تصون الهوية، وتُطلِق الطاقات، وتبني للوطن أجيالًا نقيَّة جديرة بمستقبله، عصيَّة على التفريط فيه.
والقرآن الكريم هو قلب هذه الرسالة وروحها؛ ليس مادَّة تُحفَظ فحسب، بل هداية تصوغ العقل، وقيمًا تهذِّب النفس وتُغذِّي الوجدان، ومنهجًا يستقيم به السلوك. فاحفظوه، وافهموه، وتدبَّروه، واجعلوا أثره ظاهرًا في صدقكم وأمانتكم ورحمتكم وحُسن أخلاقكم ونقاء معاملتكم.
وقد علَّم الله نبيَّه أن يطلب الزيادة من العلم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ورفع منزلة أهله، فقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
والعلوم الشرعية والعربية ليست عبئًا يُثقِل الطالب الأزهري، بل هي سرُّ تميُّزه وأساس رسالته؛ بها يفهم دينه فهمًا صحيحًا، ويعرف الوسطية والاعتدال، ويعتز بلغته العربية، لغة القرآن ووعاء الفكر والحضارة، ويمتلك ميزانًا يحميه من الغلوِّ والتطرُّف والشائعات والأفكار الهدَّامة. وإلى جوارها تأتي علوم العصر؛ ليكون الطالب الأزهري راسخ الجذور، واسع الأفق، ثابت الهوية، قادرًا على الإبداع والمشاركة في بناء المستقبل.
أبنائي وبناتي، طريق العلم طريق رفعة في الدنيا والآخرة، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».
فاجتهدوا، ولازموا القرآن، واحترموا معلِّميكم، وأحسِنوا إلى زملائكم، واجعلوا الانضباط خُلُقًا نابعًا من داخلكم، لا خوفًا من عقوبة. ولا ترضوا بأقلَّ من التفوُّق، وتذكَّروا قول عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ».
كونوا خير سفراء للأزهر الشريف؛ يحمل كلٌّ منكم علمًا ينفع، وخُلُقًا يرفع، وفكرًا يجمع ولا يفرِّق. واعلموا أن العلم الذي لا يهذِّب صاحبه علم ناقص، وأن التفوُّق الذي لا يتحوَّل إلى عمل نافع تفوُّق لم يبلغ غايته. وقدوتنا في ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، الذي جمع كمال العلم إلى كريم الخُلُق، وربَّى النفوس بالحكمة والرحمة وحُسن القدوة.
والوطن ليس أرضًا نسكنها فحسب، بل هو تاريخ يسكننا، وهوية تجمعنا، وأمانة في أعناقنا وحبُّ الوطن لا تصدِّقه الشعارات وحدها، بل يصدِّقه علم نافع، وعمل متقَن، وخُلُق كريم، وإخلاص في أداء الواجب، ومحافظة على مقدَّراته وأمنه ووحدته وعزَّته فمصر تنتظر عقولكم الواعية، وسواعدكم القويَّة المخلصة؛ لتكونوا علماء المستقبل وقادته فليكن كلٌّ منكم غرسًا طيِّبًا ينفع نفسه، ويبرُّ أهله، ويرفع شأن أزهره ووطنه.
وأمَّا زملائي من المعلمين والمعلِّمات، فقبل أن يسمع الطالب منكم الدرس، يجب أن يقرأ فيكم معنى القدوة؛ فأخلِصوا في رسالتكم، وأحسِنوا إعدادكم، وتمكَّنوا من تخصُّصاتكم، واربطوا المعرفة بالسلوك، والعلم بالعمل، والدِّين بحُسن الخُلُق، والتواصل بجميل المعاملة، والوطنية بالبذل والإتقان وراعوا الفروق الفردية والاستعدادات العقلية والنفسية لأبنائكم، وافتحوا أمام كل طالب بابًا إلى النجاح يناسب قدراته ومواهبه ورغباته.
وأمَّا أولياء الأمور، فتابعوا أبناءكم بحكمة، وشجِّعوهم على القرآن والقراءة، وأحيطوهم بالثقة والرعاية، وتعاونوا مع معلِّميهم، واغرسوا فيهم أن العلم أمانة، وأن حُسن الخُلُق رفعة، وأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية
زملاؤنا الأكارم، شيوخ المعاهد، اصنعوا بيئة تعليمية آمنة ومنضبطة، تحرس هوية التعليم الأزهري، وترتقي بجودته، وتدعم المعلِّم، وتحتضن الطالب، وتكشف مواطن القوَّة فتعزِّزها، وجوانب القصور فتعالجها. وأقول لجميع العاملين بالمناطق والمعاهد: أدُّوا مسؤولياتكم بأمانة، ويسِّروا مصالح الناس، وحافظوا على انتظام الدراسة؛ فرُبَّ عمل صامت مخلص يفتح لطالب بابًا إلى مستقبل عظيم.
إن نجاح هذا العام مسؤولية مشتركة، تبدأ بطالب مجتهد، ويقودها معلِّم مخلص، وتساندها أسرة واعية، وترعاها قيادة مسؤولة. وغايتنا أن نُخرِّج طالبًا أزهريًّا معتزًّا بدينه ولغته ووطنه، مستقيم الخُلُق، مستنير العقل، منفتحًا بوعي على عصره، قادرًا على أن يحمل رسالة الأزهر، ويُسهِم بعلمه وعمله في رفعة مصر ونهضتها.
حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ الأزهر ورسالته، وبارك في أبنائه ومعلِّميه، وجعلهم ذخرًا لدينهم ووطنهم وأمَّتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئاسة قطاع المعاهد الأزهرية سعادة الأستاذ الدكتور/أحمد الشرقاوي



