ads
رئيس التحرير
ads

حريص عليكم ثقافة الوعى بالعدالة التصالحية (19) بقلم فضيلةالأستاذالدكتور/ أحمد خليفة شرقاوي رئيس قطاع المعاهد الأزهرية.

الخميس 21-05-2026 20:29

كتب

الصلح هو التزام الخير الذي دعا الله إليه في قوله تعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، سورة النساء، آية 128، وهو من أهم الوسائل الودية التي تبناها المشرِّع في القانون المصري؛ لتسوية المنازعات طواعية واختياراً، على نحو يحفظ مصالح الخصوم، ويسهم في تخفيف العبء عن القضاء؛ دفعاً للشقاق والفرقة، واستبقاءً للمودة واللُّحْمَة، وتجنباً للمشاحنات أو إطالة أمد النزاع في الدعاوى والخصومات، وهو نوع مسامحة وتنازل عن كل الحق أو بعضه، وهو يجري في المصالح والأنفس كما يجري في الحقوق ونحوها، عفواً وتسامحاً، معاوضة وإبراءً، ومن ثم، فإن الصلح تطبيق عملي لمبدأ سلطان الإرادة؛ بقصد الوصول إلى بسط العدالة التصالحية بمحض إرادة حرة واعية معتبرة شرعاً وقانوناً، تهدف أصالة إلى تحقيق الإنصاف بالتراضي، وإقامة العدالة دون إجبار أو إكراه، فيجري الصلح تسامحاً بين الخصوم في الحقوق المعتبرة وفي المصالح المشروعة كلياً أو جزئياً، ولقد استمد هذا النظام الدقيق جذوره من الفقه الإسلامي، الذي أرسى مبدأ الصلح بين الناس، بوصفه خيراً ينبغي اتباعه، وأجراً حث الشارع على تحصيله، وأداة إصلاح مجتمعي، بها يتحقق التكامل البشري، ويتعاظم التعاون الإنساني، يقول ابن فارس: «الصلح يدل على إزالة العداوة وإصلاح الحال بين المتخاصمين»، ابن فارس، مقاييس اللغة 3 /420، وقد عرّفه الفقهاء بأنه: «عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بالتراضي»، ابن قدامة، المغنى 4/480، أو هُوَ: «إسْقَاطٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ عَنْ طَوْعٍ وَرَغْبَةٍ»، الطرابلسي، معين الحكام، ص 123، ومن ثم فهو وسيلة شرعية وأداة قانونية؛ لحسم الخصومة وقطع النزاع، قال الله تعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً»، رواه أبوداود والترمذي، وعليه، فإن الصلح يقدم على الخصومة؛ لما فيه من خير للمجتمع بأكمله، فالصلح يجرى بين المتخاصمين عن تراضٍ، بإشراف قاضٍ أو بإشراف غيره ممن يوثق قانوناً في عمله، كما هو الشأن في مجالس الصلح التي تصدق عليها المحاكم القضائية، فتنقضي بذلك الدعوى وتنتهي الخصومة، على وجه يمنع من معاودة النظر فيها ثانية، ما دامت في الموضوع ذاته وبين الأشخاص أنفسهم، ومن ثم، فإن الصلح هو أَنهى لموضوع الخصومة، وأقطع لسبب النزاع، وأبقى لجريان المودة بين الناس، وأدوم للخيرية المقصودة، والصلح ينعقد بالتراضي بين طرفيه، ولقد عنى به الفقهاء والعلماء، تحقيقاً وتقعيداً، تنظيماً وتفريعاً، فأجمعوا على مشروعيته وجوازه، والعمل على وَفْق موجبه وإنفاذ مقتضاه، فالصلح أشبه بالقضاء الخاص، ينعقد بإرادة الخصوم ابتداءً؛ وينفذ موجبه طواعية أو قضاءً؛ لإنهاء نزاع مخصوص، ولقد عرفه الناس قبل الإسلام وبعده، ولما جاء الإسلام أقره ونظمه، وأحكم نظامه وأتقنه، قال الله تعالى: «لَّا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ»، سورة النساء، من آية رقم «114»، من هنا كان الصلح سبباً لصون الحقوق وتحصيل المصالح المشروعة بين الناس عن تراضٍ، ودفع المفاسد التي تطرأ عليهم في معاملاتهم المعتبرة وتصرفاتهم المتتابعة، فالصلح إنهاء الخصومة وقطع النزاع، فإن جرى في مسامحة الأشخاص كان عفواً من العافي عن الجاني، وتفضلاً عليه بوهبه العيش الآمن واستبقاء حياته بدلاً من موته، وذلك بجريان القصاص الواجب في حقه شرعاً وقانوناً، ويشترط في هذا النوع من الصلح -الذي هو العفو- ألا يخرق شيئاً من النظام العام، أو يمس أصوله وقواعده بإخراجه عن سياقه وانتظامه، سواء أكان هذا العفو عفواً مجرداً أم بمقابل الدِّية، وهنا ننبه مجدداً أن الدِّية ليست مقابل ثمن المجنى عليه – المقتول – وإنما هي مقابل منح ولى الدم حق الحياة للجاني – القاتل – فهذه ثقافة لا بد أن تعمم بين الناس في المجتمعات الإنسانية، وهى أن الدِّية التي شرعها الإسلام لها فلسفة عميقة، يجب ألا تخرج عن سياقها، فهي ليست مقابلاً مادياً على سبيل التعويض عن النفس البشرية محل الاعتداء، وإنما هي في حقيقتها فداء الجاني لنفسه من الموت؛ لذا كان لزاماً على المجتمع أن ينشر الفهم الصحيح لعمق فلسفة الإسلام في تشريع نظام الدِّية، فالدِّية من التواد الذى يجرى بين ولى الدم والجاني في منح ولى الدم الحياة الآمنة للجاني، بدلاً من أخذ القصاص منه جزاء فعله غير المشروع؛ لذا كان العافي هو الأقرب تقوى، وهو الأكرم تفضلاً على الجاني؛ عملاً بقوله تعالى: «وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، البقرة آية 237، وكأن ولى الأمر- والحالة هذه- يتمثل بقوله تعالى: ‭{‬وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً‭}‬، المائدة: 32، وهو بخلاف ما عليه فهم بعض العامة من الناس من أن الجاني دفع ثمن المجنى عليه، فهذا فهم مقيت وغير محمود، ويحضرني في هذا المقام التفرقة الدقيقة بين التعويض والدِّية، فالدِّية ليست تعويضاً، لأن التعويض إنما يكون في الأموال وشبهها وليس في الأنفس وأرواحها، أي إن التعويض مجاله الأموال ونحوها، ومجال الدِّية هو الأنفس وأرواحها فافترقا، من هنا كانت الحاجة ماسة لبيان أهمية الفهم الدقيق لنظام الصلح في الشريعة والقانون، فالصلح على كل حال سبب أصيل في فض المنازعات، وإزالة المشاحنات، وحسم الدعاوى، وقطع الخصومات، حيث أثبت الصلح بين الناس جدواه، وظهر أثره في مقصوده ومعناه، حتى أصبح واقعاً محترماً ونظاماً متبعاً في الأنظمة القضائية والمجالس العرفية المختلفة، فبالصلح يتحقق الأمن الشخصي والأسرى والمجتمعي، فتحفظ بموجبه الحقوق، وتحمى به المصالح المشروعة بين المتصالحين، فيندفع الجور ويزول التناكر والتشاحن بين الخصماء والفرقاء، فضلاً عن بعث الطمأنينة في نفوس المتنازعين، وزيادة الثقة في الأحكام القضائية والعرفية والقواعد العدلية القائمة على الأصول التصالحية، هذا ويتحتم على القاضي أن يبذل الجهد ويستفرغ الوسع والطاقة في ردِّ الخصوم إلى التصالح بعيداً عن الميل أو الهوى، تحقيقاً لمقصود المشرّع وحكمته من إصدار التشريعات المعنية ببيان القواعد التصالحية؛ للإسهام في إقرار الأمن البشرى والأسري وبسط السلام المجتمعي في مختلف الأوساط، وتتجلى أهمية هذا المقال في كونه يربط بين النظام القانوني والمرجعية الشرعية للصلح، فالنظام القانوني للصلح يتوافق في قواعده ومقاصده مع أحكام الفقه الإسلامي، حيث يقوم على مبدأ التراضي بين المتخاصمين، وأن طبيعته مخصوصة في إثباته وأحكامه، وحجيته وإلزامه، وقوته وتنفيذه، فضلاً عن بيان جميل أثره وعظيم فوائده ومنافعه في دنيا المجتمعات الإنسانية، لذا؛ فقد أكدت الشريعة أهمية الصلح وجعلته جامعاً لمقاصدها العليا، في حفظ الدِّين، وعصمة النفس، وحفظ العقل، وصون العرض، وحماية المال، ولا شك أن جرائم الثأر تناقض مقاصد الدِّين العليا في مجموعها وانفرادها، فهي تهدد الدِّين والإنسان، وتُخرِّب الحضارة والعمران، وتنال من الأعراض والأوطان، وتذهب بصواب العقول السليمة، فتنقلها من دائرة الرشد والحكمة إلى دائرة التدمير والنقمة، ومن دائرة الفكر والرقي إلى دائرة البغي والعدوان، فضلاً عن المساس بالحقوق والحريات بما ينعكس سلباً على التنمية وينال من صحة الأمن وعافيته، وأختم مقالي هذا بقول سيدنا عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- حين خاطب القضاة فقال: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بين الخصوم الضغائن»، (سنن البيهقي)، وعليه نرى أنه قد بات لزاماً علينا جميعاً إحياء ثقافة العفو بنظام الصلح المجرد، أو بنظام القودة ، التي تقدم في شكل كفن لولى الدم؛ جبراً لخاطره الذي انكسر باعتداء الجاني، فتسبب في حرمانه من المجنى عليه، أو بنظام الصلح بقبول الدِّية؛ ونشر ذلك ثقافةً في الأوساط المعنية بحفظ الأنفس البشرية وضمان حماية حقوقها ومصالحها في مختلف محافظات الجمهورية، وذلك بالتنسيق مع الجهات والمؤسسات المعنية؛ من أجل تصحيح المفاهيم الدائرة بشأن الصلح، وبيان أهميته في سيادة السِّلم الإنساني والإصلاح المجتمعي.‬‬‬‬

******

الصلح على كل حال سبب أصيل في فض المنازعات وإزالة المشاحنات وحسم الدعاوى وقطع الخصومات.. حيث أثبت الصلح بين الناس جدواه.. وظهر أثره في مقصوده ومعناه.. حتى أصبح واقعاً محترماً ونظاماً متبعاً في الأنظمة القضائية والمجالس العرفية المختلفة

ads

اضف تعليق