ads
رئيس التحرير
ads

الأستاذ ُالدُّكتورُ  محمد عبد الرحمن الضُّوِينِيُّ: شَهادةٌ عن قُربٍ…وماشَهِدْناإِلَّا بِما عَلِمْنا بقلم/ الشَّيخ عماد فتحي الأزهري عضو المكتبِ الفَنِّيِّ لوكيلِ الأزهرِ.

الإثنين 20-04-2026 13:16

كتب

حين يُطوى سجلُّ مرحلةٍ زاخرةٍ بالعطاء، ويُسدل الستار على حقبةٍ حفلت بالعمل الدؤوب، فإن أصدقَ ما يُكتب، وأبقى ما يُخلَّد، شهادةُ من خالطوا رجل هذه المرحلة عن قرب، وعرفوا دقائقَ شأنه في مواقع الجدّ لا في مواطن الاحتفاء؛ إذ ليست العبرةُ بما يُقال في المنصات والاجتماعات الرسمية، بل بما يُرى في الخلوات، وتنطق به السجايا.

وقد أتاح الله لي أن أكون شاهدًا على تجربةٍ فريدة، من خلال عملي عضوًا في المكتب الفني لفضيلة وكيل الأزهر، الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني – حفظه الله -، فكانت تلك المعايشة كاشفةً عن معادن الرجال، ومبرزةً لجوانب قد تخفى على كثيرين.

وليس من اليسير أن يكتب المرء عن رجلٍ عاشره عن قرب، وخالط دقائق شأنه، واطّلع على خبايا يومه، إذ تتحوّل الشهادة حينئذٍ من مدحٍ يُقال إلى أمانةٍ تُؤدَّى، ومن ثناءٍ يُساق إلى حقٍّ يُستوفى، وما أكتبُه اليوم عن فضيلته إلا بعضُ ما وعاه القلب، وشهدت به العين، وأقرّ به الضمير.

لقد عرفتُ فضيلته رجلًا تَتَّسِقُ فيه الظواهرُ والبواطن، فلا ترى في علانيته إلا صورةً صادقةً لما في سريرته، ولا تسمع في منطقه إلا صدى ما استقرّ في وجدانه.

جمع الله له من كريم الخصال ما يندر اجتماعه؛ خُلُقًا رفيعًا لا يُتكلّف، وتواضعًا أصيلًا لا يُتصنّع، وحِلْمًا يسبق الغضب، ورِفقًا يغلب الشدّة، فخُلُقه هو عنوان شخصيته، ولبُّ سيرته؛ إذ يمتاز بسمتٍ وقور، وتواضعٍ جَمّ، لا تصنّع فيه ولا تكلّف، يلقى به الصغير قبل الكبير، فلا يُشعرك بفارق المنصب، ولا يُقيم بينه وبين الناس حواجز الرسميات.

يُصغي بإنصاف، ويتكلم بميزان، ويزن الرجال بقدر ما يحملون من علمٍ وأدب، لا بما يتقلدون من ألقاب. وقد رأيته في غير ما موقفٍ يقدّم غيره على نفسه، ويُعلي من شأن زملائه وتلامذته، في مشهدٍ يُجسد أخلاق العلماء الربانيين.

وإذا تحدثت عن مهارات قيادته، فهي قائمة على فقهٍ عميق بطبيعة المؤسسة الأزهرية، وإدراكٍ دقيق لمقتضيات المرحلة. يجمع بين الحزم في موطنه، واللين حيث ينبغي، ويُحسن توزيع الأعباء، ويُتقن إدارة الوقت، ويُتابع التفاصيل متابعة العارف الحريص، لا متابعة المتوجس القَلِق. كان حضوره في العمل باعثًا على الانضباط، ووجوده دافعًا إلى الإتقان، ليس بأوامر صارمة، بل بهيبةٍ علمية، وقدوةٍ عملية.

كما كان فضيلته أنموذجًا يُحتذى به في الإخلاص والتفاني؛ إذ لم يعرف الكلل طريقًا إليه، ولا الفتور سبيلاً إلى همّته، ساعات عمله قد تمتد إلى ما بعد العشاء في مكتبه، وحتى بعد عودته إلى بيته، وكان لا يتوانى عن إحالةِ أيِّ شكوى تَرِدُ إليه إلى المختصِّ بها، ولو بعد منتصف الليل، مُؤكِّدًا ضرورةَ سرعةِ فحصِها وحلِّها، همومه كبيرة، وقلبه معلّقٌ برسالة الأزهر، يرى في خدمتها شرفًا لا يُدانيه شرف. كان يقول لي دائمًا: “نحن خدام الأزهر”، وكان يتعامل مع كل مهمة، صغيرةً كانت أو كبيرة، على أنها أمانةٌ ينبغي أن تُؤدَّى على أكمل وجه، وكأنما يُخاطب نفسه قبل غيره بقول الحق: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وإذا تحدثت عن إنجازاته، فإنها لم تكن صاخبةً تُطلب لها الأضواء، بل كانت أعمالًا راسخةً تتحدث عن نفسها، تُبنى في صمت، وتثمر في واقع المؤسسة.

 أسهم في ترسيخ الانضباط الإداري، وتعزيز العمل المؤسسي، وتقوية جسور التواصل بين قطاعات الأزهر، فكان حريصًا على أن يسير الجميع في اتجاهٍ واحد، وأن تتكامل الجهود لا أن تتنازع. كما كان له دورٌ ملموس في دعم كل قطاعات الأزهر خاصة قطاع المعاهد الأزهرية، ورعاية البرامج التي تُعنى بتأهيل الكوادر، والارتقاء بالمستوى المعرفي والمهاري للعاملين.

ولم يكن جهده قاصرًا على الشأن الإداري، بل كان حاضرًا بقوةٍ في إدراك التحديات الفكرية المعاصرة، وما يحيط بالمجتمع من تياراتٍ متباينة. كان يُدرك أن رسالة الأزهر ليست تعليميةً فقط، بل هي دعويةٌ إصلاحية، تقوم على نشر الوسطية، وترسيخ قيم الاعتدال، ومواجهة الغلو والانحلال على حدّ سواء. ومن ثمّ، كان يدعم كل جهدٍ يُسهم في بيان صحيح الدين، وتصحيح المفاهيم، وبناء الإنسان علمًا وقيمًا.

وأما زهده وتقواه، فهما من أظهر ما يلمسه من خالطه؛ إذ كان فضيلته بعيدًا عن مظاهر التكلّف، زاهدًا في زخارف المناصب، منصرفًا إلى جوهر العمل لا إلى شكله. لا تغرّه الألقاب، ولا تستوقفه المظاهر، بل يرى المنصب تكليفًا يُسأل عنه، لا تشريفًا يُتباهى به، وقد قال لي ذاتَ مرةٍ إنَّ أكثرَ ما يحبُّه ويؤثِرُه على مكانته وكيلًا للأزهر هو إلقاؤُه درسًا أو موعظةً للناس في المسجد بعد المغرب أو العشاء، ورأيتُه غيرَ مرّةٍ يختار البساطةَ في حياته، ويؤثر الخفاءَ في عطائه، ويحرص على أن يكون عملُه خالصًا لله، لا تشوبُه شائبةُ رياءٍ أو طلبِ سُمعة.

ومن أخصِّ ما يُذكر في سيرته حسنُ تعامله مع من يعملون معه؛ إذ كان أبًا قبل أن يكون رئيسًا، ومربّيًا قبل أن يكون مسؤولًا، وإذا ما شعر أنّه أساء إلى أحدٍ، لا يغادر مكتبه قبل أن يطلبه ويمازحه؛ حتى لا يخرج وفي قلبه أيُّ همٍّ أو حزن. وما رأيتُه يومًا يترفّع عن صاحب حاجة، ولا يتأفّف من سائلٍ ألحّ، بل كان يرى في خدمة الناس بابًا من أبواب القُربى، وسبيلًا إلى رضا الله تعالى.

كان يُقدّر الجهد، ويعذر التقصير إن كان عن غير تعمّد، ويُشجّع المبادرة، ويحتضن الأفكار التي تسهم في نشر صحيح الدين والمنهج الأزهري الوسطي.

لقد كانت صحبتي وخدمتي له في المكتب الفني تجربةً ثريةً، كشفت لي عن معدنٍ أصيلٍ لا تزيّفه المناصب، ولا تغيّره الأيام. رأيتُ فيه القائد المربّي، والمسؤول الأمين، والعالم المتواضع، والإنسان الذي يسعى في قضاء حوائج الناس كأنها شأنه الخاص.

ولئن انتهت مدة توليه وكالة الأزهر الشريف، فإن الأثر لا ينتهي، والسيرة لا تُختصر في منصب، بل تمتد في النفوس التي ربّاها، والأعمال التي أرسى قواعدها، والقيم التي بثّها في محيطه. وتلك هي علامة الصدق في العمل؛ أن يبقى بعد صاحبه، شاهدًا عليه، ودالًا على إخلاصه.

وختامًا، هذه شهادةٌ أكتبها لا مجاملةً، ولا مبالغةً، ولكنها كلمة حقٍّ أُدلي بها كما رأيت، وكما عايشت، وكما علمت؛ رجاء أن تكون إنصافًا لرجلٍ أعطى فأخلص، وعمل فأتقن، وخدم الأزهر وترك أثرًا لا يُمحى، وسيرةً طيبةً ستبقى حاضرةً في القلوب والعقول. فجزاه الله عن الأزهر وأهله خير الجزاء، وبارك في عمره وعمله، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته. “وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للحق إلا قائلين”.

ads

اضف تعليق