الرئيسية آخرالاخبار أحداث عالمية أخبار العالم أخبار عاجلة أخبار عالمية أخبار عربية أخبارالعالم العربي الرئيسية الصحافة العالمية صحافة عالمية
حريص عليكم ” ثقافة الوعي بودائع الأسرار”(17). بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي وكيل قطاع المعاهد الأزهرية لشؤون التعليم.
الخميس 16-04-2026 01:03
السِّر نوع وديعة، ولكنه وديعة معنوية، لأن الودائع على نوعين، ودائع مادية كالأموال ونحوها، وودائع معنوية كالأسرار وشبهها، والأسرار جمع ” سِرَّ “، والسِّرُ ما أخفيت وكتمت وهو خلاف الإعلان، ويستعمل في المعاني والأعيان، ويجمع على أَسْرَار كأنهار وأشجار، تقول: ” أسْررّتُ ” الحديث ” إِسْرَاراً” أي : أخفيته، ومنه قوله تعالى في قصة سيدنا نوح- عليه السلام- وقومه: ” ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً “(سورة نوح، الآية رقم 9 )، فالسِّر معناه كتمان الشيئ عن الغير وعدم إفشائه، والسِّر أيضًا: ما يحرص الشخص على كتمانه في نفسه أو يخفيه عن غيره ويكره أن يطلع عليه الناس إلا بإذنه أو حال الضرورة المعتبرة لذلك شرعًا وقانونًا جلبًا لمصلحة أو دفعًا لمفسدة.
وكتمان الأسرار واجب ديني وأخلاقي، والمدار فيه على العرف الجارى بين الناس، فما عَدَّه العرف سرًا فهو عند الناس سرّ، ويسرى ذلك على المؤاخذة والمحاسبة، فما عده الشرع أو القانون أو العرف في ميزان المحاسبة والمساءلة فهو عند الناس كذلك ولو لم ينص على كونه سرّ، أو لم يصرح صاحبه بوجوب كتمانه، ومن ثم فينبغي أن تكون رسالة المؤسسات التعليمية في دنيا التعليم والتعلم معنية أساسًا بنشر الوعى الحكيم في المجتمعات الإنسانية بوجوب حفظ الأسرار وصونها والالتزام بعدم إفشائها، والتأكيد على ذلك بجدية بين المعلمين والمتعلمين بل وجميع المعنيين بالعملية التعليمية، وكذا بين أصحاب المهن والحِرف والوظائف المختلفة، من أجل تحقيق المقصود التعليمي الأسمى في المجتمعات الإنسانية الراقية، وهو ترسيخ القيم الأخلاقية والمجتمعية المعنية بصون حقوق الآخرين، وضمان حفظ أسرارهم على نحو مقصودهم ومرادهم، سواء أكانت هذه الأسرار فردية أم جماعية أم أسرية أم مجتمعية، وتعظيم شأن المسؤولية المتوازنة في نفوسهم جميعًا، فضلًا عن إرساء مفاهيم الأمانة الحقة؛ باعتبار أن كتمان الأسرار من قبيل الأمانات التى يجب أن تؤدى إلى أصحابها، والتطلع نحو بناء أجيال قوية سوية تعظم قيمة السِّر المستوع لديها، وتحفظ مصالح الناس على النحو الذي يرجونه ويأملونه فيما بينهم، قال الله تعالى: ” إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”(سورة النساء، الآية رقم 58)، يقول الكفوي: الأمانة كل ما افترض الله على عباده فهو أمانه، كالصلاة والزكاة والصيام وأداء الدَّين وغير ذلك، وأوكد الأمانات الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار، هذا ولقد حرَّم المشرع إفشاء السِّر بكل صوره وأشكاله؛ لما في ذلك من خيانة للأمانة، والإفشاء مصدر ” أَفْشَى ” بمعنى أذاع ونشر، ومعناه: إظهار خبر الغير ونشره بغير مقتض شرعي، والإفشاء يعد صورة من الكذب؛ لقوله ” كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع “(رواه مسلم فى المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع . حديث رقم “4” 1 / 10)، وهنا يجب أن ننبه على الفرق الجوهري بين الإنباء والإفشاء ويكمن في السياق والقيمة؛ فالإنباء من النبأ، وهو إخبار بأمر ذي شأن عظيم وموثوق به لا يحتمل كذبًا، فالإنباء إظهار معلومة مهمة بصدق، كما في قوله تعالى: ” وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ”(التحريم، آية 3)، بينما الإفشاء هو كشف وإذاعة أمور مستورة، وغالبًا ما يُستخدم في سياق إظهار الأسرار أو إفشاء أمور تحتمل الصدق أو الكذب، كما هو شأن الأسرار المتعلقة بالأعراض ونحوها، وهو ما يعد تصرفًا سلبيًا وغالبًا ما يكون بغرض التهديد أو الوقيعة أو النميمة.
وإفشاء السر خيانة وهو ضد الأمانة وهو محرم شرعًا ومجرم قانونًا، لمنافاته معنى الأمانة ولما فيه من إلحاق الضرر أو الإضرار بالغير؛ لأن إظهار الرجل سِرّ غيره أقبح من إظهاره سِرّ نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى وصمتين الخيانة إن كان مؤتمنًا والنميمة إن كان مستودعًا وكلاهما مذموم، وكتمان الأسرار يعد من جوهر التربية الإيجابية باعتبارها منهج علمي يهدف إلى بناء شخصية متوازنة، تكون محلاً في ذاتها لحفظ ودائع الأسرار على النحو المعتبر في ذلك شرعًا وقانونًا، فضلًا عن التركيز على استزراع القيم الأخلاقية وتعظيم شأن المسؤولية منذ الصغر، ومن أمثلة ذلك ما رواه ثابت عن أنس قال: أتى عليّ رسول الله وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت: ما حبسك فقلت: بعثني رسول الله لحاجة قالت: وما حاجته قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسِرِّ رسول الله أحداً قال : أنس والله لو حدثت به أحد لحدثتك به يا ثابت “- صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أنس بن مالك، حديث رقم ” 6328 ” 11/258 -، وهذا إنما يدل على واجب المحافظة على السر والتزام المٌفْضَي إليه بكتمانه، وهنا تبرز المسؤولية التعليمية والتربوية في حق المعلم والأسرة معًا وأنهم جميعًا مسؤلون عن ذلك، قال الله تعالى:” فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ “(سورة الحجر الآيتان ” 92 ، 93)، وفي ذلك دلالة صريحة على معنى المؤاخذة والعقوبة، وكذا على وجوب تعليم الأطفال القيم من خلال أفعال الوالدين وليس فقط من أقوالهم.
وبناء على ما تقدم يجب نشر الوعى بوجوب حفظ الأسرار وصونها من الإفشاء أو الإنباء، وذلك في كل الوظائف والحِرف والمِهن على حد سواء، طبقًا لما تستلزمه طبيعة العمل من أمانة تجرى بين الناس في ضوء الواجبات الأخلاقية، ومبادئ الشرف المعنية، وأصول المهنة المرعية، هذا وتكمن خطورة السِر وأهميته في مدى اتصاله اللصيق بحياة الفرد الخاصة، الذي ألجأته الضرورة إلى البوح بسره إلى غيره- كما هو شأن البوح بالسِر إلى مدير أو طبيب أو محام- أملاً في تحقيق مصالحه؛ لذا فقد وجب أن يتوفر في هؤلاء الأمانة؛ لأن الناس لا يفشون أسرارهم إلا لمن كان محلاً للثقة فى نفوسهم وكان قلبه وعاءً لأسرارهم، ولقد اهتمت الشريعة الغراء بواجب الكتمان، فوضعت له المعايير والضوابط التي تجعل الأمين يؤديه لصاحبه على نحوه الشرعي، فأوجبت الضمان على من كان سببًا في ضياع الأسرار على أصحابها بإفشائها أو إبدائها للغير دون مقتض شرعي؛ لأنها وديعة الأنقياء والأصفياء عند الثقات والأمناء، هذا وقد سايرت القوانين الوضعية ما قررته الشريعة الإسلامية في هذا الشأن، فنصت على تجريم إفشاء الأسرار، وجعلت لذلك جزاءً جنائيًا يتمثل في عقوبة الحبس وتقييد الحريات الخاصة، وآخر مدنيًا يتمثل في التعويض الذي يحكم به القاضي متناسبًا مع ما لحق المضرور من ضرر، فضلاً عن الجزاء التأديبي؛ عملًا بقوله تعالى:” إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً “(سورة الإسراء،الآية 36)، وقوله ” المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق”(أخرجه أبو داود، كتاب الآداب، باب نقل الحديث، حديث رقم 4848)، فدل ذلك على حرمة إذاعة الأسرار ونشرها؛ لأنها أمانة، والأمانة تعم ما يؤتمن عليه المرء من أموال وحُرَم وأسرار، وعليه فيحرم إذاعة الأحاديث وأسرار الناس إلا لمقتض شرعي وفي حالات مخصوصة، كما هو شأن السِّر الذي يتضمن اعتداء على حق الغير أو يمسه في نفسه أو عرضه أو ماله، وكذا ما يتضمن المساس بالنظام العام أو الأمن القومي مما يهدد البلاد ويؤذى العباد، من هنا فقد بات لزامًا المحافظة على الأسرار والتزام المُفْضَي إليه بكتمانها إلا في الحالات المخصوصة التى يجيزها الشرع أو القانون على النحو الذي مرّ آنفًا… ألا فتأمل.



