الرئيسية آخرالاخبار أحداث عالمية أخبار العالم أخبار عاجلة أخبار عالمية أخبار عربية الرئيسية الصحافة العالمية
حريص عليكم ” ثقافة الوعى بفن التغافل “(16) بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي وكيل قطاع المعاهد الأزهرية لشؤون التعليم
الخميس 09-04-2026 02:27
تكلمت في مقال سابق عن ثقافة الوعى بفن الصمت، وفرقت فيه بين الصمت والسكوت، فالصمت عمل قلبي يترتب عليه أثر معين، وهو في ذاته قوة ورفعة وحكمة، وفهم عميق وإدراك للواقع المعيش بعناية شديده تتناسب مع الواقعة محل الصمت، وأما السكوت فهو عمل سلبي، وهو فى ذاته ضعف وجبن وهوان مقيت، واليوم أتكلم عن التغافل، وهو نوع صمت يعنى الترفع والتجاوز عما صدر من الغير وعدم الالتفات إليه، ترفعًا وعفوًا من المتغافل، وحكمة منه بعدم انشغاله بصغائر الأمور وهفوات وزلات الآخرين، ومن جميل ما نسب إلى العارف بالله الشيخ أحمد الرفاعي – رحمه الله – قوله:” الملتفت لا يصل “، أي: أن من ينظر إلى الخلف وهو يمشي إلى الأمام قطعًا لا يصل؛ لأنه أشبه بإنسان يمشي إلى الأمام ورأسه إلى الخلف فأنَّى يصل، وعليه فإن التغافل رفعة وعفو وغفران، وترفع عن النزول إلى أشياء لا تليق بالنفس البشرية، أو لا تناسب المتغافل في مركزه العلمي أو عمله الرسمي أو وضعه الاجتماعي، والتغافل يختلف أيضًا عن الغفلة؛ لأن الغفلة نقص والتغافل عين الكمال وتمام الجمال، وهو نوع من الصمت الحكيم، والترفع العالي عن بعض الأمور الخارجة عن حد الأدب واللياقة، وعليه فإن التغافل يحقق التكامل حتى مع المختلف معك في بعض الطباع أو الطبائع، ومن ثم فهو نماء وإصلاح في المجتمع تعيش فيه، فينتج عن ذلك إنماء التواد وجريان الرحمة وتنمية المودة المجتمعية بين الناس، فالتغافل عفوٌ من العافي، وبذل عطاء من الكرماء، وهو حُلَّة نقية من حُلل التواصل، الذي يزيد في نقاء النفس البشرية، ويبسط الصفاء في التعامل بين الناس في المجتمعات الإنسانية، ومن سمات التغافل أنه يسد الطريق في وجه المتربصين والمستغِلِّين من أن ينالوا من شأن المتغافل؛ لأنه يحرص دائما على تحصين نفسه، وتأمين رعيته، وصيانة أمره وحاله، ويحضرني في هذا السياق قول الشاعر أبومسلم الخراساني:
وَمَنْ رَعَى غَنَماً في أَرْضِ مَسْبَعَةٍ…وَنَامَ عَنْهَا تَوَلَّى رَعْيَهَا الأَسَدُ.
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ… والماء فوق ظهورها محمولُ.
أي أن ملاك أمرها وبقاء حياتها بيدها وعلى ظهرها وهي لا تشعر، وعودًا على بدأ أقول إن التغافل خُلُق كريم يعنى إيثار التجاوز الحكيم عن زلات الآخرين، والتظاهر بعدم العلم أو عدم الرؤية لهفواتهم وسلبياتهم، والتغافل في ذاته فن وتدبر، وهو نوع علم وحكمة، يستخدم من أجل استمرار العلاقات الإنسانية وتجنب النزاعات البشرية، والترفع عما لا يليق بكمال الأنفس الزكية، والتغافل ليس جهلاً بل هو نوع ذكاء عميق، وعلم دقيق، وحكمة بالغة، وآداب عالية، متى اقترن بالحلم والهدوء الكبيرين، ولقد وصفه الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – فقال: « تسعة أعشار العافية في التغافل»، إذن التغافل نوع من غض الطرف عن علم، وإيثار عفو عن دراية، وكمال أدب عن رفعة، وجميل تسامح عن بصيرة، ومن أمثلة التغافل في الجوانب الحياتية والمعيشية أن تغض الزوجة الطرف عن هفوات زوجها وزلاته، والزوج يكون مثلها في ذلك، ومن أمثلته أيضًا تجاهل الوالدانِ لبعض تصرفات الأبناء، والعفو عنهم في بعض هفواتهم البسيطة؛ لإصلاحهم بذكاء لا بعقاب، ومعالجتهم بكريم حكمة لا بشديد فتنة، وكذا تجاهل الصديق عن الكلمة الجارحة من صديقه، أو عدم التركيز عليها بقصد استبقاء المودة والألفة بينهما، وكذا الالتفات عن عيوب الآخرين من الزملاء في دوائر العمل المختلفة، هذا، ويختلف التغافل عن التجاهل المجرد من الحكمة، فالتغافل أمر إيجابي، نابع من المحبة والود والقدرة على الصفح، بقصد دوام العلاقة أو استبقاء الصداقة، وأما التجاهل المجرد فهو أمر سلبي، غالبًا ما يدل على الإهمال والتكبر والإهانة والازدراء، وهو نوع عقاب معنوي، بخلاف التغافل فهو مهارة تربوية، يجب أن يستخدمها كل مربٍ ومعلم، وكذا الآباء والأمهات، والأزواج والشركاء، والزملاء والأصدقاء، من أجل انتزاع الأزمات ومعالجة الهفوات، والترفع عن المؤاخذة والزلات، فالتغافل نوع أدب يجلب الهيبة والوقار، وتتجلى فيه الحكمة في أسمى معانيها وأعلى مبانيها، علمًا وفقهًا، أدبًا وخلقًا، لما يتسم به المرء المتغافل من عفة ورفعة، وأدب وحكمة، فضلًا عن علو قدره وعميق أثره في دنيا العلاقات الإنسانية والتعاملات البشرية، فالتغافل من مكارم الأخلاق، وأجمل الصفات، وأحسن العادات، وأعلى المحاسن، ومن ثم يتحلى به الإنسان العاقل، والعالم الحكيم في أقواله وأفعاله، في مجالسه وأحواله، في تعليمه وتعلمه، في سلوكه وتصرفه؛ وفي سائر شؤونه ومواطنه، ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة عندما كان يتعرض إليه كفار قريش بسوء وينادونه مذممًا، فما كان منه – صلى الله عليه وسلم – إلا أن قال: ” أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؛ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ”(رواه البخاري)، وأيضًا ما أرشدنا إليه ديننا الحنيف في قوله تعالى: ” وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً “(الفرقان آية 63)، والجاهل: هو السفيه الذي لا يزن الكلام، ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يحسِب للحديث حسابًا، ومن ثم فلا يدرك مقاييس الأمور لا أدبًا ولا خلقًا، بيد أنه يجب التنبيه على أنه ليس كل سلوك خاطئ يكون محلًا للتغافل، فهناك مواقف لا بد وأن تقابل بحسم قويم وتصرف حكيم، كما هو شأن التعدّي على الغير أو انتهاك حقوق الله –عز وجل-، مما يستلزم التدخل المباشر، بيد أنه يجب أن يكون تدخلًا مناسبًا وحكيمًا، فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: ” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” (رواه مسلم)، من هنا فقد بات لزامًا أن يكون التغافل مناسبًا والمتغافل ذكيًا، فليس كل أمر يستحق الرد، يقول الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله-: (تسعة أعشار حسن الخلُق في التغافل)، ويقول الحسن البصري-رحمه الله-:( ما زال التغافل من فعل الكرام)، ويقول ابن الجوزي:( ما زال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام )، فالناس مجبولون على الزلات والأخطاء، فإن اهتم المرء بكل زلة وخطيئة تعب وأتعب، والعاقل الذكي من لا يدقق في كل صغيرة وكبيرة مع أهله وأحبابه، مع أصحابه وجيرانه، مع أصدقائه وزملائه، كي تحلو مجالسته وتصفو على الدوام مؤانسته، وقد عبّر البعض عن التغافل بلفظ التجاهل، ومن هؤلاء مثلًا جبران خليل جبران فقال:( إذا تعلمت التجاهل – وهنا يقصد التغافل – فقد اجتزت نصف مشاكل الحياة)، وأيضًا:” جورج ماكدونالد” حينما قال:(التجاهل– يقصد التغافل- وقت الغضب ذكاء، والتجاهل وقت المصاعب إصرار، والتجاهل وقت النصيحة البناءة غرور، فانتبه متى تتجاهل)، وهنا أخلص إلى القول بأن التغافل نوع صبر محمود، وقد مدحه الله تعالي بالجمال فقال: “فصبر جميل”، فالمتغافل أجمل الناس صبرًا، وأرفعهم قدرًا، وأصفاهم ذهنًا، وأوسعهم صدرًا، وأثبتهم علمًا، وأكثرهم نفعًا، وأعلاهم هيبة، وأعظمهم وقارًا، وأقدرهم معرفة، وأنماهم أُلفة، وأجودهم عطاءً، وأجلبهم نقاءً، وأقومهم طريقًا للخير والرفعة، وعليه فإن التغافل يسهم في ترسيخ قواعد التربية الإيجابية، كمنهج علمي شامل يقوم على الحب والرحمة، وعلى العدل والقدوة، وعلى الحرية والمسؤولية، وعلى الرفق والتشجيع، وعلى اللين والحزم التربوي الخالي من القسوة، فضلًا عن استزراع القيم الأخلاقية في دنيا العلاقات الإنسانية المضطربة والمتوترة بميزان وسطي دقيق، قال الله تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً”(البقرة، من الآية143)، فالتغافل من جملة الصفات المحققة للصفاء البشري والنقاء الإنساني دون إفراط أو تفريط، ومنهج علمي حكيم يسهم في صون العلاقات الإنسانية على وفق أصولها المرعية وتقاليدها الأصيلة. وأخيرًا أقول: إن البناء الأخلاقي لا يكون بالسرعة أبدًا ولا يتم بالعجلة قطعًا، وإنما يكون بجميل الأناة وكمال الحكمة، فالتغافل الحكيم يُرْجِعُ كل شخص إلى حجمه الطبيعي في دنيا الناس… ألا فتأمل.



