ads
رئيس التحرير
ads

“حريص عليكم” نحو التماسك الأسري في عصر الرقمنة( 15) . بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي وكيل قطاع المعاهد الأزهرية لشؤون التعليم

السبت 04-04-2026 01:26

كتب

إن التماسك الأسري في عصر الرقمنة في ميزان الشريعة والقانون يعد من الموضوعات الحقيقة بالبحث والجديرة بالتحري والنظر؛ حيث أضحت هذه المسألة أشد تعقيدًا وأكثر أهمية؛ فقد تلاحظ لنا في هذه الآونة العبث الكبير بمسائل الأسرة، تحت مظلة الحريات المصطنعة، والأخلاق المنفلتة، والأهواء الجانحة، والأفكار الباطلة، فضلًا عن إرادة التعمد في نشر الفرقة وإثارة الشقاق بين أفراد الأسرة، والحض على الكراهية، بقصد إنماء دوائر التمييز بين أجناسها وأنواعها؛ لإثارة الضغائن وإشعال الفتنة داخل الأسرة الواحدة، فضلًا عن نشر التمرد والعف الأسري والمجتمعي على حد سواء، مما يؤدى إلى تفكيك التماسك الأسري في المجتمع وتعكير صفوه وتكدير سِلْمه، وإنطلاقًا من دور الأزهر الشريف ومسؤوليته الدينية والوطنية والعلمية وغيره من المؤسسات ذات الصلة فقد عمد إلى عقد المؤتمرات العلمية والملتقيات الثقافية والقانونية والفكرية المتعلقة بمواجهة هذه الأقضية، ليضع بين أيدي المصريين جميعًا والمجتمعات الإنسانية مخرجات علمية معتبرة، ومعالجات فقهية دقيقة سيما في عصر الرقمنة؛ فبسط في ذلك أعماله المتنوعة في هذا الشأن؛ لبيان أحكام الشريعة الغراء وعلومها المختلفة، دراسة وتأصيلاً، شرحًا وتحليلًا، أداءً وتحصيلًا، وذلك للإسهام في بيان الوسائل الشرعية والقانونية والقضائية اللازمة لمعالجة المنازعات الأسرية؛ استبقاءً للتماسك الأسري في ظل تحديات الأزمنة الرقمية وأخطارها المتعددة؛ حفاظًا على حقوق الأسرة من الضياع وحمايتها من التعدى، وصونًا لقيمها الأخلاقية من العبث والفوضى، وحماية لمصالحها المتنوعة فى أمر دينها ودنياها، فالأسرة لا غنى لها عن تشريعات موضوعية وإجرائية جادة، تسهم بفاعلية فى حماية النظام الأسري وبسط السلام المجتمعي، على نحو يحفظ المجتمع في أدبه ويصونه في قِيَمه واعتداله، فضلًا عن استبقاء نقائه وصفائه وحيائه العام؛ ومن ثم فإن حاجة الناس تمسُّ إلى ذلك قطعًا؛ لمواجهة التفكك الأسري الذي أحدثته الثورة العارمة في عصور الرقمنة والأوساط الرقمية، حيث تكاثرت الدعاوى والخصومات الأسرية، وتعاظمت الخلافات الزوجية، وتنوعت المنازعات الأسرية والمجتمعية في صورها وأشكالها؛ لذا كانت الحاجة ماسة إلى ترسيخ القواعد الأخلاقية، ونشر القيم المجتمعية الفاعلة المعنية بثقافة الوعى بالتماسك الأسري، وبسط التسامح الإنساني، وتعظيم السِلم المجتمعي، مع وجوب تقرير الموضوعية عند التنازع والاختلاف واستبقاء أدبها بين المختلفين والمتنازعين أسريًا، على نحو يناسب الفِّطر الإنسانية السليمة في هذا الشأن، وبناء على ما تقدم أقول: إن المجتمع في حاجة إلى زيادة الفعاليات والملتقيات المعنية بتقوية الروابط الأسرية والمقاربات المجتمعية؛ حيث إن هذه الفعاليات وأشباهها من البرامج والأعمال الأخرى ذات الصلة بالشأن الأسري والمجتمعي كفيلة لأن تسهم في إرساء القواعد الشرعية والمفاهيم القانونية اللازمة لمواجهة التحديات الأسرية المعاصرة، فتقدم الوسائل الوقائية وتطرح المعالجات الواقعية لمختلف الأقضية في المنازعات الأسرية، طلبًا وردًا، رفعًا ودفعًا، على نحو يناسب الواقع المعيش في التداعي والتقاضي، من أجل حماية الأسرة مُجْتَمَعِيًّا وأخلاقيًا وقضائيًا وفكريًا، وهذا مما يسهم أيضًا في تجسيد معاني المودة والرحمة داخل الأسرة، فالمودة تعنى العدل الذي يجري بين الزوجين في دائرة الحقوق الإنسانية والمالية، وأما الرحمة فهي تعنى الفضل الزائد عن العدل الذي يجب أن يجري بين الزوجين؛ فما نقص من دائرة العدل تغطيه دائرة الرحمة؛ صونًا ورفعة لما أفضى به بعضهم إلى بعض، ولو أخذنا أنموذجًا حيّاً ندلل به على وجوب التماسك الأسري واستبقاء المودة بين أفراد الأسرة عند المتنازع والشقاق لوجدنا هذا الأمر واضحًا جليًّا في مسألة الحضانة المتعلقة بالصغير أو الصغيرة، فالحضانة أمر راسخ الوضوح وثابت الدلالة شرعًا وقانونًا في كونها مكفولة للأم، لأنها هي الأحق بحضانة أولادها- مالم تتزوج -؛ لأنها الأرحم قلبًا، والأوسع شفقةً، والأليق حالًا، والأنسب مكانًا من غيرها، ومرجع ذلك إلى قدرتها على تحمل ما يلزم الصغير من تربية ورعاية، وتعهد وعناية، وملازمة ودراية، وذلك في جميع أموره وسائر شؤونه، ومن ثم فإن تفويض ذلك إليها يعد من قبيل زيادة المنفعة للصغير المحضون والصغيرة محل العناية والرعاية، ومع هذا فإن للقاضي الناظر في الخصومة بين المتنازعين سلطة تقديرية، بحسبان الظروف والأحوال التي تتصل بكل قضية؛ حيث ينظر للمصلحة الفضلى للطفل، فيدور حكمه القضائي معها وجودًا وعدمًا، وكذا في اعتبار الرضا الذي يجرى بين أطراف المنازعة في هذا الشأن، على نحو يحفظ المقصود الأسمى في صون مصالح المحضون ورعايته، وحفظ المودة بين أفراد الأسرة وأجناسها، واستقرار أمورها وترسيخ قِيمها المعتبرة في المجتمع، لذا نحتاج فعلًا إلى إيقاظ همم الآباء وعواطف النساء من أجل تماسك أسري دقيق وتكامل إنساني عميق؛ لمواجهة أي تحديات أسرية في ظل الأزمنة الرقمية، تمسكًا بقوله تعالي:” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها”, وقوله – صلى الله عليه وسلم- ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته “؛ وإعمالا لنص المادة العاشرة من الدستور المصري، الصادر في 2014م، والتي نصت على أن: ” الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها”.
ads

اضف تعليق