التنمر… جريمة خفية تهدم القلوب وتُغضب الرب….للدكتور/ محمودعبدالدايم الجندي
الإثنين 30-03-2026 17:00
في عالمٍ تتسارع فيه الكلمات وتُتداول فيه التعليقات بلا تفكير، أصبح التنمر ظاهرة خطيرة تتخفّى في ثياب المزاح أحيانًا، وفي صورة نقدٍ لاذعٍ أحيانًا أخرى، لكنها في حقيقتها أذى عظيم، وذنب جسيم، واعتداء صريح على كرامة الإنسان التي كرّمها الله عز وجل.
إن التنمر ليس مجرد كلمة عابرة تُقال، ولا موقف يُنسى بسهولة، بل هو جرحٌ قد يبقى في القلب سنوات، وألمٌ قد يُغيّر حياة إنسان بالكامل. كم من شخصٍ فقد ثقته بنفسه بسبب كلمة، وكم من إنسانٍ انطوى على نفسه بسبب سخرية، وكم من روحٍ انهزمت لأنها لم تجد من يُنصفها أو يربت على قلبها.
* ما هو التنمر؟ التنمر هو كل سلوكٍ يُقصد به إيذاء الآخرين نفسيًا أو معنويًا أو حتى جسديًا، ويشمل السخرية، والاستهزاء، واللمز، والغيبة، وإطلاق الألقاب الجارحة، والتقليل من شأن الآخرين، سواء بسبب الشكل أو اللون أو المستوى المادي أو الاجتماعي أو حتى الأخطاء الشخصية.
* حكم التنمر في الإسلام: جاء الإسلام ليُعلي قيمة الإنسان، ويحفظ له كرامته، ويصون عرضه ومشاعره، ولذلك حرّم كل صور الإيذاء والسخرية.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11]
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾
وقال عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]
قال العلماء: “الهُمَزة” هو الذي يعيب الناس في وجوههم، و”اللُّمَزة” هو الذي يعيبهم في غيبتهم.
وقال النبي ﷺ: “بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم” (رواه مسلم)
وفي حديثٍ آخر: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”
فهذه النصوص الصريحة تدل على أن إيذاء الناس بالكلمة أو الإشارة أو السخرية أمرٌ محرّم، بل هو من كبائر الذنوب إذا ترتب عليه أذى شديد.
* لماذا يُعد التنمر خطيرًا؟ لأن أثره لا يُرى بالعين، لكنه يُحطم القلوب في صمت.
لأن الكلمة قد تهدم ما لا تهدمه السيوف.
لأن الضحية قد تبتسم أمام الناس، لكنها تبكي وحدها.
التنمر قد يؤدي إلى:
فقدان الثقة بالنفس
العزلة والانطواء
الاكتئاب والحزن الشديد
كراهية المجتمع
وفي بعض الحالات قد يدفع إلى إيذاء النفس
* التنمر مسؤولية مجتمعية: ليست المشكلة في المتنمر وحده، بل في كل من يضحك، أو يسكت، أو يُشجع. فالصمت أحيانًا مشاركة، والضحك إقرار، والتشجيع دعم للباطل.
قال النبي ﷺ: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” قالوا: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟
قال: “تمنعه من الظلم”
* رسالة إلى كل متنمر: تذكّر أنك قد تنسى ما قلت، لكن من آذيته لن ينسى.
وتذكّر أنك ستقف يومًا بين يدي الله، فيُحاسبك على كل كلمة خرجت من لسانك.
فإن كانت قد جرحت قلبًا، فستُسأل عنها.
وإن كانت قد أهانت إنسانًا، فستُحاسب عليها.
لا تجعل ضحك الناس عليك سببًا في بكاء غيرك.
ولا تجعل لسانك وسيلة هدم بدل أن يكون وسيلة بناء.
* رسالة إلى من تعرّض للتنمر: لا تجعل كلام الناس يُحدد قيمتك، فأنت عند الله عظيم.
اصبر واحتسب، فالله يرى ألمك، ويعلم ما في قلبك، ولن يضيع صبرك.
واعلم أن كثيرًا من العظماء مرّوا بتجارب قاسية، لكنها كانت سببًا في قوتهم.
* كيف نعالج هذه الظاهرة؟
نشر الوعي بخطورة الكلمة
تربية الأبناء على احترام الآخرين
تعزيز القيم الدينية والأخلاقية
عدم السكوت عن الظلم
دعم المتضررين نفسيًا ومعنويًا
القدوة الحسنة في التعامل مع الناس
* الكلمة مسؤولية: الكلمة أمانة…
إما أن تكون سببًا في جبر الخواطر، أو سببًا في كسرها
إما أن ترفع صاحبها، أو تهوي به
قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
* وفي الختام: إن مجتمعًا يسوده الاحترام، وتُحفظ فيه كرامة الإنسان، هو مجتمعٌ قوي متماسك.
فلنكن دعاة رحمة، لا أدوات أذى.
ولنجعل ألسنتنا عامرة بالخير، لا بالجرح.
اللهم طهّر ألسنتنا من الأذى، وقلوبنا من القسوة، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
التنمر… جريمة خفية تهدم القلوب وتُغضب الرب….للدكتور/ محمودعبدالدايم الجندي


