الرئيسية آخرالاخبار أحداث عالمية أخبار العالم أخبار عاجلة أخبار عالمية أخبار عربية أخبارالعالم العربي الرئيسية الصحافة العالمية صحافة عالمية
حريص عليكم ” نحو ثقافة الوعى بالتربية الإيجابية “(١٤) بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي وكيل قطاع المعاهد الأزهرية لشؤون التعليم
الأحد 29-03-2026 22:03
إن التربية الإيجابية إنما تمثل رسالة المؤسسات التعليمية الأصيلة، وهذه الرسالة تقوم على ركنين رئيسين هما التربية والتعليم، وهما ركنان يتكاملان قطعًا من أجل تحقيق مقصود واحد، وهو ترسيخ القيم العدلية في مجال المسؤولية المتوازنة وإرساء المفاهيم المجتمعية في مجال الأمانة الحقة؛ لبناء جيل قوي في نفسه نافع لوطنه ومجتمعه، يجمع بين الحرية المسؤولة والرحمة العامة، وعليه فإن التربية الإيجابية هي منهج علمي شامل يقوم على نشر الحب وبواعث المودة والرحمة، وإذكاء قيم العدل وثقافة الوعى بالقدوة الحسنة، تربية وتعليمًا، تثقيفًا وتشجيعًا، كما أنها تهدف إلى بناء شخصية متوازنة، تعبد الله بوعي حكيم وبصيرة كاملة، وتخدم مجتمعها الذي تعيش فيه، على نحو من النصح السديد والمسؤولية التامة، معتمدة في ذلك على أساليب نبوية راقية في مجال التربية والتعليم، كما هو شأن الرفق بالنشء والشباب في تربيتهم وتعليمهم وتشجيعهم، وفي جميع شؤون حياتهم وما يمسّ إليه أمر دينهم ودنياهم، بل والحزم التربوي الدقيق معهم دون قسوة منكرة أو مرونة مفرطة؛ استبقاءً لأصول التربية المعتبرة في كمالها؛ واستنباتًا للقيم الأخلاقية في تمامها، ومن أمثلة ذلك ما رواه ثابت عن أنس قال: أتى عليّ رسول الله وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك فقلت: بعثني رسول الله لحاجة قالت: وما حاجته، قلت : إنها سرّ، قالت: لا تخبرن بسرِّ رسول الله أحدًا، قال: أنس والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت “- صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أنس بن مالك، حديث رقم ” 6328 ” 11/258 -، وهذا إنما يدل على مدى تأكيد الأم الحكيمة الفقيهة، التى ترببت على مائدة المدرسة النبوية الشريفة في تعظيم واجب كتمان الأسرار، والمحافظة على السرِّ في نفوس الأطفال والمتعلمين من النشء والشباب، والتأكيد على التزام المُفْضَي إليه بكتمانه ومنعه ومن إفشائه، ومن التربية الإيجابية النبوية أيضًا تعامل النبي- صلى الله عليه وسلم- مع الصحابي خوّات بن جبير برفق وتربية حكيمة بالغة، حيث إنه لم يعنفه مباشرة، بل استخدم أسلوب التلميح بالسؤال المتكرر معه بقوله -صلى الله عليه وسلم- ما فعل شِراد جملك؟” في كل مرة يراه، مما أدى إلى حياء الصحابي وعودته لطاعة الله، ثم دعا له بالمغفرة بأسلوب راقٍ يجمع بين الحزم والرحمة، فبدلًامن التوبيخ العلني استخدم النبي – صلى الله عليه وسلم- التوجيه غير المباشر، والتعريض- أي التلميح-، مما أصلح به الخطأ، وحفظ بموجبه الكرامة الإنسانية، وعزز بمقتضاه الرقابة الذاتية، والامتثال الطوعي لأحكام الإسلام بأسلوب تعليمي وتربوي ميسر؛ والواقعة لها قصة مروية عن خوَّات بن جبير يقول – رضى الله عنه-: ” نزلت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمر الظهران – مكان بمكة- فخرجت من خبائي، فإذا نسوة يتحدثن فأعجبنني، فرجعت فأخرجت حلة من عيبتي فلبستها ثم جلست إليهن، فمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فَهِبْتُه فقلت: يا رسول الله جمل لي شرود وأنا أبتغي له قيدا ! فمضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وتبعته فألقى إليّ رداءه ثم دخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ ثم جاء، فقال: يا أبا عبد الله ما فعل شرودك- أي جملك-، ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني إلا قال: السلام عليكم يا أبا عبد الله ما فعل شِراد جملك؟ قال: فتعجلت إلى المدينة واجتنبت المسجد ومجالسة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فلما طال ذلك عليّ تحينت ساعة خلوة المسجد، ثم أتيت المسجد فجعلت أصلي فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من بعض حجره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين وطَوّلتُ الصلاة رجاء أن يذهب ويدعني، فقال: طَوَّل يا أبا عبد الله ما شئت فلست بقائم حتى تنصرف، فقلت: والله لأعتذرن إليه، فانصرفت، فقال: السلام عليكم أبا عبد الله ما فعل شِراد الجمل فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: رحمك الله مرتين أو ثلاثا ثم أمسك عني فلم يَعُدْ”- الحديث رواه ابن حبان، كتاب التاريخ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد- فهذا الحديث يُظهر النهج النبوي في كيفية التربية الإيجابية وتصحيح السلوكيات الاجتماعية، المتعلقة بالإفراط في أي شأن من شؤون الحياة بأسلوب تربوي إيجابي عال، يعزز قيم العفة والحياء دون تنفير أو ترهيب؛ إحياءً للرقابة الذاتية؛ وإشعارًا للمخطئ بتعديل سلوكه طواعية؛ جلبًا للرأفة وإرساءً لقيم العدل والرحمة ودفعًا للحرج والمشقة؛ لأن الغرض الأساس إنما هو الإصلاح والتعليم، من أجل تهذيب النفس البشرية وتعزيز المحاسن الأخلاقية والقيم الإنسانية.



