الاستقامة بعد رمضان… عنوان القبول للداعيةالاسلامي / مصطفي شلبي
الأحد 15-03-2026 21:52
مع انقضاء شهر رمضان المبارك يودع المسلم موسماً عظيماً من مواسم القرب من الله تعالى
فقد أقبلت فيه القلوب على المساجد وتعلقت الأرواح بالقرآن، وتعودت النفوس على الصيام والقيام والصدقة.
فهل تنتهي الطاعة بانتهاء رمضان، أم أن رمضان كان بداية طريق لا نهاية له؟
إن الحقيقة التي ينبغي أن يستقر عليها يقين المؤمن أن ربَّ رمضان هو ربُّ سائر الشهور، وأن العبادة في الإسلام ليست مرتبطة بزمان دون زمان بل هي منهج حياة يمتد ما امتد عمر الإنسان يقول المولى سبحانه : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي داوم على عبادة ربك حتى يأتيك الموت.
و يرشدنا الحبيب المصطفى ﷺ إلى قيمة الاستمرار في العمل الصالح، في قوله : «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» فالمؤمن الصادق لا يعرف الطاعة في موسم ثم يهجرها بعده بل يجعلها رفيقة أيامه كلها.
ولذلك كان السلف الصالح يخافون من انقطاع الطاعة بعد رمضان، وكانوا يعدّون الثبات بعد الموسم علامة من علامات القبول. يقول الحسن البصري رحمه الله: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت.
وقال بعض السلف: «ثواب الحسنة الحسنة بعدها»؛ أي أن من علامة قبول الطاعة أن يوفق العبد لطاعة أخرى بعدها.
و هكذا كان حالهم بعد رمضان استمرار الطاعات، فقد كانوا يداومون على قيام الليل وقراءة القرآن، ويحرصون على الصيام بعد رمضان، اقتداءً بقول سيدنا رسول الله ﷺ: « من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر ».
إن رمضان ليس أياماً عابرة في حياة المسلم، بل هو مدرسة إيمانية يتدرب فيها القلب على الطاعة، حتى يخرج منها أكثر قرباً من الله وأكثر ثباتاً على طريقه. فمن ذاق حلاوة القيام في ليالي رمضان، لا ينبغي أن يحرم نفسه من ركعاتٍ في جوف الليل بعده، ومن ألف القرآن في أيامه، فليجعل له وِرداً دائماً لا يتركه.
و إن الموفق حقا هو من يجعل رمضان بداية الاستقامة لا نهايتها، فاستمرت صلته بالقرآن، وثبتت قدمه في المسجد، وبقي لسانه رطباً بذكر الله لأن المؤمن لا يعبد رمضان وإنما يعبد رب رمضان.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا رمضان، وأن يجعلنا من عباده الذين إذا عملوا صالحاً ثبتوا عليه، وإذا ذاقوا حلاوة الطاعة لم يرجعوا إلى الغفلة، وأن يديم علينا جميعاً نعمة القرب منه وحسن عبادته.


