الرئيسية آخرالاخبار أحداث عالمية أخبار العالم أخبار عاجلة أخبار عالمية أخبار عربية أخبارالعالم العربي الرئيسية الصحافة العالمية صحافة عالمية
حريص عليكم تزكية الأبدان والأنفس(١٢) ” قد أفلح من زكاها ” بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي وكيل قطاع المعاهد الأزهرية لشؤون التعليم
الخميس 05-03-2026 14:03
إن تزكية النفس البشرية نوع صحة في تمامها، وأساس عافية في كمالها، فالتزكية ترتبط أصالة بالأبدان والأنفس معًا، قال الله تعالى: “( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)- سورة الشمس الآية:٩، ١٠-، فالحفاظ على صفاء النفس البشرية ونقائها ليس رفاهية بشرية، بل هو مطلب شرعي ومنهج نبوي، قال – صلى الله عليه وسلم-:(…فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية)-أخرجه أحمد في مسنده-، فتزكية الأبدان والأنفس ونشر الوعي بأهمية ذلك يعد جزءًا أساسيًا في بناء مجتمع واعٍ في نشئه وأهله، قوي بأنفس رجاله الزكية، وأنفس نسائه العفيفة النقية، ولقد وضع الإسلام ميزانًا دقيقًا للصفاء الإنساني والنقاء البشري، واستبقاء النفس في سياق فطرتها السوية، حيث نجد ذلك في قول النبي- صلى الله عليه وسلم-:” المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأعراضهم”(أخرجه البخاري، كتاب الإيمان).
وعليه فإن التمسك بتزكية الأبدان والأنفس إنما يعد من جملة التعاليم الدِّينية والأخلاق العالية، بل ويدخل في دائرة حفظ الصحة النفسية بدنًا وروحًا، فالتمسك بالدِّين والتزام أحكامه تصرفًا وسلوكًا يزيد من تحقيق الصحة البدنية والنفسية، فصحة الأبدان إنما تحصل بترك ما يثقلها من تواكل وكسل، وتجنب لبواعث الدجر والقلق والغضب، وأخذ حظها من النشاط والحركة، والراحة والسكون والعاطفة، وغير ذلك مما تزكو به الأبدان، وأما صحة الأنفس فهي تحصل بطمأنينة القلب، وصفاء الروح، وهدوء النفس، وحسن التوكل، وصدق اليقين، وكمال الإيمان، وأمانة العمل، وإتقان الأداء، ورقابة الله -عز وجل- في الأقوال والأفعال، ونحو ذلك مما تزكو معه الأنفس، ومن ثم يتمتع الإنسان بحياة طيبة هنيئة آمنة مطمئنة، قال تعالي ” من عمل صالحًا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينَّه حياة طيبة .. “- سورة النحل آية رقم ٩٧-، فالنفس البشرية هبة من الله كرمها بالحفظ والصون، ومدها بأسباب التزكية والتكوين العقلي والمعرفي، بل وفضلها على عموم خلقه تفضيلًا، قال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }[الإسراء:٧٠]،
لذا، فقد وجب أن يكون لنا يقظة تامة، وحكمة بالغة، ورشد فكري عالٍ، من أجل نشر ثقافة الوعي الرشيد بصون الأبدان والأنفس في شقيها المادي والروحي، استبقاءً لفطرتها السوية في دنيا الناس، وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والصحية؛ لإعادة التوازن في التأكيد على أهمية الصحة البدنية والنفسية في الأوساط الإنسانية كافة، فالإسلام إنما جاء مصدقًا على تزكية الإنسان في بدنه ونفسه، وصفاء فكره وعقله، ونقاء عقيدته وأخلاقه، ونفعه في حضره وسفره، ونمائه في معارفه وثقافته، ونزاهته في أدبه وتعامله، قال الله تعالى: “( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)، لذا فقد وجب تزكية النفس وحفظها من التعدي، على نحو يضمن لها البقاء الآدمي الآمن، قال تعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…} [المائدة:٣٢]؛ تحصيلًا للارتقاء بالنفس البشرية، وبقائها على فطرتها السوية النقية، من هنا فقد وجب إذكاء الوعي بتزكية الإنسان، بدنًا ونفسًّا وروحًا، استبقاءً لكمال حياته المادية والروحية، وصونًا لحقوقه البدنية والنفسية، وهذا نوع تزكية يجب أن ينشر؛ بيانًا لحرص الشارع الحكيم على تكامل التكوين البدني والنفسي، والتأكيد على كونه محلًا للتناقل البشري، والتآلف المعرفي، والتراحم المجتمعي، قال الله تعالى: ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”- سورة الأنبياء، آية رقم “١٠٧”-، وهذه الأمور تسهم – قطعًا- في تزكية الأبدان والأنفس، لتصل بها إلى الصفاء النفسي خاليًا من الشوائب المذمومة والتصرفات المقيتة، وفي سياق تزكية الأبدان والأنفس واستبقاء النزاهة الإنسانية يقول سيدنا سلمان الفارسي لأبى الدرداء – رضي الله عنهما – وكان أبوالدرداء حينئذ قاضيًا على بيت المقدس بفلسطين : ” إن الأرض لا تقدس أحدًا إنما يقدس المرءَ عَمَلُهُ “، وهنا أقول إن التقديس تقديسان، تقديس مكان وتقديس إنسان، فإذا أطلق التقديس على المكان أريد به الطهر، تقول مكان مقدس أي طاهر، وإذا أطلق على الإنسان إريد به الاحترام، فتقول إنسان مقدس أي محترم، وتقديس الإنسان لا يكون إلا من خلال أعماله المحترمة وتصرفاته المعتبرة في دنيا الناس، والمدار في ذلك على ما ينفع به البلاد والعباد، وبناء عليه فإن الأمر في حياة الناس وتصرفاتهم البشرية إنما مرجعه إلى صفاء الإنسان وتكامله في بدنه ونفسه وما يتخلق به في حياته ومعيشته، فالنبي – صلى الله عليه وسلم- إنما جاء مبينًا لرسالة الإسلام، في حرصه على نشر الأمن والأمان، والمحبة والسلام، والعدل والإحسان، والأخلاق العالية الرفيعة فى الأوساط الإنسانية المختلفة، ولقد جسد الأزهر الشريف في رسالته العميقة السامية الرسالات الدينية كلها، مؤكدًا الحرص التام على تحصيل المقاصد العليا للإسلام في المجتمعات الإنسانية، بحيث إذا توفرت هذه المقاصد في أي مجتمع إنساني فقد أضفت عليه رقيًا ساميًا، وتحضرًا عاليًا، وثقافة واسعة، تحصيلًا لتزكية الإنسان في تكامل دقيق بين الأنفس الأبدان… ألا فتأمل !!!؟.



