ads
رئيس التحرير
ads

حريص عليكم ” الأزهر وثقافة الوعى برسالة البيان “(11). بقلم الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي رئيس الإدارة المركزية لشؤون التعليم بقطاع المعاهد الأزهرية

الأحد 01-03-2026 14:51

كتب

إن الأزهر الشريف بتاريخه العريق يعد الركن العتيق الذي يعبِّر عن وسطية الإسلام وقيمه السمحة، وهو الدستور الأعظم في تاريخ البشرية كلها الذي أسهم باقتدار بالغ في تكوين المنهج القويم والنظام التعليمي الحكيم، فنتج عن ذلك منهج الاعتدال والاتزان على مرّ العصور والأزمان، هذا المنهج الذي تجرد عن جميع أشكال الإكراه والغلو والتطرف، قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) ” البقرة، من الآية143″، فالأزهر الشريف من أقدم مؤسسات العالم في مجال التعليم والتعلم، وأعمقها رسوخًا في مجال الدعوة الصافية والهداية النقية، ومن أكثرها تأثيرًا في صياعة الفكر العربي والإسلامي، وأوسعها ثقافة في استبقاء النقاء والنزاهة الإنسانية، ونشر القيم الروحية والحضارية، فضلًا عن تمسكه التاريخي بإرساء مفاهيم المواطنة ونشر التسامح في المجتمعات الإنسانية كلها، وتأصيل مبادئ المساواة والقواعد العدلية بميزان دقيق ومنهج حكيم دون إفراط أو تفريط، والمحافظة على نظم التعليم وصون أصوله المعتبرة وتقاليده الأصيلة، وذلك منذ نشأته عام 972م، حيث انتقلت هذه النظم التعليمية منه إلى مختلف جامعات العالم، فكان الأزهر ولا يزال ملتقى العلماء من الشرق والغرب، وقبلة العالمين في طلب العلم وتحقيقه، وإعداد المصلحين، وتأهيل الفقهاء والعلماء المخلصين، الذين يتصدرون حلقات العلم والحكمة في مختلف الأوساط المحلية والعالمية، فالأزهر الشريف إذ يمثل هذا القدر الرفيع والمكانة العالية يعد المؤسسة الأولى عالميًا في تحقيق الأمن الفكري والتقدم الحضاري والاحترام الإنساني، وبعث الطمأنينة النفسية والروحية، فالأزهر بمنهجه الوسطيّ يمثل الحصن الأصيل للأمة كلها في مواجهة أشكال التعصب والتشدد ومظاهر الغلو والتطرف، لذا؛ فقد نال الأزهر الشريف الهيبة العلمية وحاز الثقة العالية في نفوس البشر جميعًا، باختلاف أجناسهم وألسنتهم وألوانهم، فقد توافد إليه طلاب العلم من كل حدب وصوب؛ تحصيلًا لعلومه وجمعًا لفنونه، واقتداءً بأشياخه وعلمائه وحكمائه، ولقد بقى له هذا الأثر الواضح في ريادة الدعوة إلى الله، نشر ثقافة التنمية والتطوير في مختلف العلوم والفنون، واستدامة قواعد البناء والتزكية والعمران، والإسهام الفعّال في دعم معالم النهضة الحديثة في مصر والعالم.
إن احتضان الأزهر الشريف لمنهج أهل السنة والجماعة، عقيدة وشريعة، تصرفًا وسلوكًا، نماءً وعطاءً، فقهًا وتزكية، بناءً وعمرانًا، حقيق أن يؤكد أن منهجه أصيل في اتخاذ التدرج العلمي الحكيم، في الدعوة والتعليم والإفتاء ومناهج اللغة العربية وفنونها المتعددة ودروبها المختلفة، ومن ثم فإن منهج الأزهر إنما يرسِّخ أصالة أن رسالته هي رسالة بيان وليست رسالة إلزام، فيعمل في رسالة البيان هذه على الجمع الدقيق بين الولاء للمؤمنين والتسامح الحكيم مع المخالفين، فضلًا عن التيسير في الفتوى ورسالة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك دون ممارسة أي إلزام أو إكراه لأحد في أمر الدِّين أو أمر الدنيا، فضلًا عن الجمع بين استلهام الماضي ومعايشة الحاضر واستشراف المستقبل، وتعظيم الاستفادة بأفضل ما في التراث من عقلانية المتكلمين، ونقاء المتصوفين، وحكمة الفقهاء والأصوليين، والجمع بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر، بحسبان التغيّر الحادث في الزمان والمكان وأحوال الإنسان، وذلك في مختلف العلوم والفنون ودوائر التعليم والتعلم، ومجالات القضاء والإفتاء، وبواعث العلم والإيمان، وسبل الإبداع المادي والسمو الروحي والرقي الأخلاقي، وتفعيل القيم الدِّينية والإنسانية والمجتمعية، التي تُعْنى بإرساء قواعد العدل والحرية في المجتمعات الإنسانية.
هذا، ولا يزال للأزهر الشريف الدور الرئيس في بعث رسالة البيان إلى الناس كافة، وهو الرائد الأعلي في دنيا الناس الذي يعمل بصفاء وفاعلية على صون مصالح الناس واحترام إنسانية الإنسان، بقطع النظر عن دينه، أو جنسه، أو لونه، أو لسانه؛ تحقيقا لمقصود رسالته البيانية العالمية، في إنفاق الخير وبيانه إلى الناس كافة، وصون مصالح الإنسانية في مجموعها باختلاف طبيعتها، وتعدد أحوالها، وتباين زمانها ومكانها، وطنيًا ومحليًا وعالميًا.
ads

اضف تعليق