الرئيسية آخرالاخبار أحداث عالمية أخبار العالم أخبار عاجلة أخبار عالمية أخبار عربية أخبارالعالم العربي الرئيسية الصحافة العالمية صحافة عالمية
حريص عليكم أخلاق الزمان ونزاهة الإنسان(9). بقلم فضيلةالأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي رئيس الإدارة المركزية لشؤون التعليم بقطاع المعاهد الأزهرية
الخميس 12-02-2026 13:35
لقد أمرنا الشارع الحكيم ألا نخلط بين الحق والباطل، أو بين الصواب والخطأ؛ عملا بقوله تعالى: ” وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ” (سورة البقرة،آية 42)، فالحق يظل حقًا مهما تكالبت عليه أوجه الباطل، والباطل يظل باطلًا، مهما تستر بأثواب الحق، أو داهن بالتزرع بألوان الحصانة الهشة، وهكذا يكون الصواب والخطأ، ومن التوجيهات الشرعية التى جاء بها القرآن الكريم في هذا الصدد قوله تعالى: “وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ”(سورة الأعراف، آية 26 )، وأيضًا قوله تعالى :” ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا “(الإسراء: 36)، فتطهير النفس البشرية يستوجب قطعًا الترفع عما لا يليق بها، فهي نفس مكرمة من الله – عز وجل -؛ لتحقق بذلك مراده في أرضه بين خلقه، وتقيم بينهم قواعد عدله وحكمه، وتظهر حكمته من إرسال رسله وإنزال كتبه، وهذا لا يتأتى إلا بالترفع عن صغائر الأمور، والتعفف عن قبائح التصرفات، والالتزام التام بالقيم الأخلاقية والتقاليد الأصيلة- شكلًا وموضوعًا-، على نحو يحقق الصون للنفس البشرية، ويبعدها عن مواقع الصَغَار والهوان، فتتحصل بذلك نزاهة الإنسان وتتغلب على أخلاق الزمان المقيتة، ومن ثم تتحلى النفس البشرية بالقيم المعنية بتزكية الإنسان، من صدق وأمانة، وإخلاص وبر، وصلة وتعاون، في الأحداث والأعمال كافة، فضلًا عن الالتزام بالسلوك القويم في مختلف التعاملات الإنسانية والتصرفات البشرية؛ صونًا للنظام العام واستبقاءً لصفائه ونقائه، لذا كانت القيم الدينية والأخلاقية أصون ما يكون في دائرة حماية النظام العام، وحفظ مبادئه الرئيسة واستبقاء آدابه العامة، وهنا ينبغى على الدوام التأكيد على أهمية منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع بأكمله؛ نظرًا لحاجة الناس إليها، بل وإلى تعميمها وإقرارها دستورًا عمليًا بين الناس كافة، على نحو يدعم القانون في أدائه لرسالته في دنيا الناس، ويضمن فعاليته على الدوام، دون تعثر يكسره، أو تعطل يدخله في دائرة الإفراط أو التفريط، وذلك حماية للأخلاق الراسخة من المستخفين بها أو العادِين عليها، استبقاءً لأنظمة المجتمع واحترامًا لقواعده المعنية بنظامه، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم- : ” المسلم من سلم الناس من لسانه ويده “، ويقول أيضًا: ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، هذا ويتضح مما تقدم مدى أهمية التصدي لأخلاق الزمان بالصفاء النفسي واستبقاء نزاهة الإنسان على فطرتها الصافية النقية، وهذا مما يستلزم معه القول بأن نزاهة النفس البشرية ونقائها من الأمور التي يجب أن تجري بين الناس قولًا وعملًا، تصرفًا وسلوكًا، تعاونًا وتناصحًا، على نحو يحفظ حياتهم من التعدي ويصون مصالحهم من العبث، من هنا كانت المحافظة على نزاهة الإنسان حصانة في مواجهة أخلاق الزمان، وما يجلبه هذا الزمان من عقبات وأعطاب تشوش على الناس أمر دينهم ودنياهم، ولقد عنيت الشريعة الغراء ببيان نزاهة الإنسان، بل أكدت احترامها بتقرير أصولها وترسيخ قيمها ونشر آدابها، وربطت بينها وبين الإيمان والعبادة، ومن ثم فقد أكدت لزومها والعمل على وفق موجبها ومقتضاها في مناحى الحياة المختلفة، سيما في مجال التعليم ودروب العلم وفنون المعرفة، فنزاهة الإنسان تعد من جملة الإصلاح الذي يجب أن يجري بين الناس في أمر الدِّين والدنيا معًا، يؤيد هذا ما جاء على لسان سيدنا شعيب -عليه السلام- في قوله تعالى: ” إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب “(سورة هود آية ” 88 “)، ومواجهة أخلاق الزمان المقيتة هي أيضا من قبيل الصلاح والإصلاح في دنيا المجتمعات الإنسانية, فالناس إنما هم مسئولون عن خاصَّة أنفسهم، وعدالة أحكامهم، وسلامة تصرفاتهم، واستقامة أفكارهم، ورقي أخلاقهم، وصون سلوكهم، وأنه لا حصانة لأحد منهم إلا بحسبان عمله، وسَعَة أثره، وسلامة تصرفه، ورفعة أخلاقه، وإذا كان الشرع الشريف قد كفل حق الحرية لجميع البشر، بيد أن هذا الحق يجب أن يجري على وَفق ميزان العدالة البشرية والقيم الأخلاقية، في كونه حقًا فطريًا أصيلًا لكل إنسان، ومن ثم فلا يوظّف هذا الحق لإثارة الكراهية، أو لجلب التباغض والتشاحن بين الناس، أو لاستدعاء العنصرية والإساءة إلى الأديان السماوية أو إلى المنتمين إليها بحال، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ما جاء إلا من أجل ترسيخ قواعد النزاهة الإنسانية والعدالة البشرية، أملًا في ارتقاء النفس البشرية وبقائها على فطرتها السّوِية النقية، قال الله تعالى: ” ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسَّاها”( سورة الشمس آيات 7-10)، وقال- صلى الله عليه وسلم- في مجال القضاء بين الناس: ” إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئ فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من النار”( البخاري)، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا”( رواه الترمذي وحسنه )، وفي هذا السياق يقول أيضًا:” … إنَّ اللهَ لا يمحو السيِّئَ بالسيِّئِ، ولكن يمحو السيِّئَ بالحسَنِ، إنَّ الخبيثَ لا يمحُو الخَبِيثَ “.(أخرجه الإمام أحمد في مسنده).
فضيلةالأستاذ الدكتور/ أحمد الشرقاوي
رئيس الإدارة المركزية لشؤون التعليم بقطاع المعاهد الأزهرية



